Page 132 - web
P. 132

‫مقالات وآراء‬

        ‫تعد وسائل التواصل‬                                                      ‫وفي سياق محاولات التأثير والإقناع‪ ،‬تلجأ مختلف الجماعات‬
      ‫الاجتماعي من أبرز أدوات‬                                                  ‫الإرهابية إلى تكرار تعبيرات جاهزة تستخدم باستمرار حتى تصبح لوازم‬
      ‫هذه الجماعات في نشر‬                                                      ‫خطابية مستقرة‪ ،‬تعبر عن مفاهيم محددة دون الحاجة إلى شرح أو‬
       ‫خطابها‪ ،‬لما توفره من‬                                                    ‫تفصيل‪ ،‬ومن هذه التعبيرات على سبيل المثال‪« :‬الطاغوت»‪« ،‬أعداء‬
      ‫إمكانات بصرية وسمعية‬                                                     ‫الأمة»‪« ،‬العرق النقي»‪ « ،‬الهوية الأصلية»‪« ،‬التهديد الديموغرافي»‬
                                                                               ‫وغيرها من العبارات الجاهزة التي تستثمرها لتشكيل وعي جمعي‬
        ‫تساعد في التأثير على‬                                                   ‫منحاز ومتطرف‪ ،‬ويخدم توجهات هذه الجماعات بصرف النظر عن‬
                ‫المتلقي‬
                                                                                                                    ‫توجهاتها الإيديولوجية‪.‬‬
‫تصور‬  ‫التي‬  ‫خطابات الجماعات العنصرية‪،‬‬  ‫سيما في‬   ‫ال«الممهاؤاجمرريةن»‪،‬مثاًللاا‬
               ‫خطر يهدد نقاء المجتمع‪.‬‬  ‫على أنهم‬                                                                    ‫ثانً ًيا‪ :‬الممارسة الخطابية‬

‫ومن الأدوات المهمة في تحليل هذا النوع من الخطاب‪ ،‬ما يعرف بـ‬                    ‫تعتمد الجماعات الإرهابية في خطابها الإعلامي على مجموعة‬
                                                                               ‫من الأساليب التي تهدف إلى التأثير في المتلقي‪ ،‬من أبرزها‪ :‬التوجيه‪،‬‬
‫«المربع الإيديولوجي» الذي اقترحه الباحث «فان دايك»‪ ،‬ويقوم على‬                  ‫والتضامن‪ ،‬والحجاج (الجدل)‪ ،‬بينما تهمل التلميح؛ لأنها لا تخشى‬
                                                                               ‫التعبير المباشر عن أفكارها‪ ،‬لا سيما في البيئات التي تسمح بحرية‬
‫تقسيم العالم إلى «نحن» و«هم»‪ ،‬حيث تضخم الجماعة إيجابياتها‪،‬‬
                                                                                                                                   ‫التعبير‪.‬‬
‫وتقلل من سلبياتها‪ ،‬في الوقت نفسه تضخم سلبيات الآخر‪ ،‬وتهون‬                      ‫وتعد إستراتيجية التوجيه الأكثر حضوًًرا في خطاب هذه‬
                                                                               ‫التنظيمات‪ ،‬وهي تعني نقل الرسالة بشكل مباشر دون تلطيف أو‬
                                                 ‫من إيجابياته‪.‬‬                 ‫تهذيب‪ ،‬وهو أسلوب شائع في خطاب هذه الجماعات؛ لأنها تنطلق‬

‫وفي مثل هذه السياقات‪ ،‬تعد وسائل التواصل الاجتماعي من‬                                       ‫من تصور سلطوي يرى أنها تملك الحقيقة المطلقة‪.‬‬
                                                                               ‫أما التضامن فهو أسلوب يستخدم لبناء علاقة نفسية مع‬
‫أبرز أدوات هذه الجماعات في نشر خطابها‪ ،‬لما توفره من إمكانات‬                    ‫المتلقي‪ ،‬من خلال كلمات تعبر عن الصدق‪ ،‬ونكران الذات‪ ،‬والمديح‪،‬‬

‫بصرية وسمعية‪ ،‬تساعد في التأثير على المتلقي‪ ،‬وتسهل عمليات‬                                        ‫بهدف كسب الثقة وتأكيد الأهداف المشتركة‪.‬‬
                                                                               ‫وفيما يتعلق بالحجاج‪ ،‬فهو أسلوب جدلي توظفه الجماعات‬
‫الاستقطاب والتجنيد‪ ،‬وجمع التبرعات‪ ،‬ونشر التعليمات والمواد‬                      ‫الإرهابية لإقناع المتلقي من خلال تقديم مبررات وتسلسل منطقي‬
                                                                               ‫في عرض الأفكار؛ إذ تبدأ هذه الجماعات‪ ،‬على سبيل المثال‪ ،‬بالإجابة‬
            ‫التدريبية التي تروج للتطرف والعنف‪.‬‬                                 ‫عن سؤال تمهيدي مثل‪« :‬لماذا نحن موجودون؟»‪ ،‬فتزعم أن‬
                ‫ثالً ًثا‪ :‬الممارسة الاجتماعية‬                                  ‫وجودها مرتبط بتحقيق مقاصد إيديولوجية أو مصالح قومية‪،‬‬
                                                                               ‫وتدعي أنها تستمد شرعيتها من دعم شعبي واسع‪ ،‬بهدف كسب‬
‫يرتكز تحليل الممارسة الاجتماعية على دراسة ما ينتجه الخطاب‬
                                                                                                              ‫تعاطف المتلقي كمرحلة أولى‪.‬‬
‫من آثار تتعلق بالتحكم والسلطة‪ ،‬وعلى فهم كيفية تشكل المعاني‬                     ‫ثم تنتقل إلى سؤال آخر مثل‪« :‬كيف نحقق أهدافنا؟»‪ ،‬وتقدم‬
                                                                               ‫إجابات تبنى على حجج زائفة وبراهين مضللة‪ ،‬تقود المتلقي تدريجًًيا‬
‫داخل المجتمع‪ ،‬من خلال تفكيك ومساءلة المقولات والسرديات التي‬                    ‫نحو قناعة جديدة‪ ،‬تفضي إلى اعتبار الانضمام إليها واجًًبا أو وسيلة‬
‫تروج لها التنظيمات الإرهابية‪ ،‬فخطاب هذه الجماعات لا ينتج أفكاًًرا‬
                                                                                           ‫لتحقيق مكاسب دنيوية‪ ،‬كالحماية أو النفوذ أو المال‪.‬‬
‫جديدة‪ ،‬بل يعيد تدوير أفكار جاهزة‪ ،‬ويوجهها وفق تفسير أحادي‬                      ‫وهذا التدرج في الإقناع‪ ،‬يعرف في البلاغة الحديثة باسم “السلم‬
                                                                               ‫الحجاجي»‪ ،‬وهو أسلوب يستخدم لتصعيد الإقناع خطوة بخطوة‪،‬‬
 ‫يتجاوز السياقات التاريخية التي نشأت فيها تلك النصوص والمقولات‪.‬‬                ‫بدًًءا من تبرير الوجود‪ ،‬ثم تبرير الأفعال‪ ،‬وصواًلا إلى دعوة المتلقي‬
‫وتجد هذه الجماعات في بعض المجتمعات قبواًلا نسبًًيا‪ ،‬لا‬
                                                                                                                       ‫للانخراط والمشاركة‪.‬‬
‫سيما لدى فئات تميل إلى تبني الأفكار الجاهزة دون تمحيص نقدي‪،‬‬                    ‫كما تكثر هذه الجماعات الإرهابية من استخدام الثنائيات الضدية‪،‬‬
‫وتتعامل معها بوصفها حلواًلا جاهزة لأزمات واقعية أو شعورية‪،‬‬                     ‫مثل‪« :‬الخير والشر»‪« ،‬الفقر والرفاه»‪« ،‬الوحدة والانقسام»‪ ،‬لتظهر‬
‫مما يسهل إعادة إنتاج تلك الخطابات وتداولها بوصفها مخرً ًجا فردًًيا‬             ‫نفسها في صورة ممثل الخير‪ ،‬أو الضحية‪ ،‬وتحمل الآخر مسؤولية‬
                                                                               ‫الظلم والفساد‪ ،‬كما تلجأ إلى نشر أخبار مفبركة‪ ،‬وتروج لفكرة‬

                                                                                                                        ‫‪132‬‬
   127   128   129   130   131   132   133   134   135   136   137